يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

363

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ليدر عليه ، ويمسك عن اجتذابه فيتوقف اللبن عن انسكابه . ذلك تقدير الحكيم العليم ، وتصوير الرحمن الرحيم . وأما طرّو اللحى في الرجال فلمعنى المهابة والإجلال والزينة والكمال . وفي بعض الأخبار : إن للّه ملائكة يقسمون : والذي زين بني آدم باللحى . ويقال : إن اللحية من تمام خلق الرجل ، وبها يميز الرجال من النساء في ظاهر الخلق . وقيل في قوله تعالى : يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [ فاطر : 1 ] قيل : اللحى ، وفيها موعظة لمن نظر وتدبر فأبصر ، وذلك أنها على الخدود والشوارب بمنزلة الخطام المعد للبهائم السوائب . ألا تراهم يقولون للغلام : قد عذر ؛ إذا نبتت لحيته ، مأخوذ من : عذار الفرس الذي يجعل على خده ليراض به ويكبح . ويقولون : فلان خلي العذار ؛ من هذا ، كأنه قد أزيل زمامه أو خطامه ، فسيب كما يفعل بالدابة إذا أرسلت . وإلى هذا المذهب ذهب النمر بن تولب إذ يقول : ألست بشيخ قد خطمت بلحية * فتقصر عن فعل الغرانقة المرد الغرنوق والغرانق : الشاب الجميل . ثم في شيب اللحية قبل الرأس ؛ وشعر الرأس أقدم من شعر اللحية ؛ موعظة أيضا ، وذلك أن الشيب من علامة الكبر ، والكبر قريب من الموت . وقيل في قوله تعالى : وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [ فاطر : 37 ] إنه الشيب . وقيل محمد صلى اللّه عليه وسلم . ولما كان الإنسان لا يرى شعر رأسه بعينيه ويرى شعر لحيته ؛ سبق الشيب الذي هو علامة الموت ؛ للذي يراه بعينه كل وقت فكانت الموعظة به أشد . وقيل : إنما سبق الشيب إلى اللحية لقرب شعرها من الصدر ، والصدر مقر الهموم ومحل الأحزان ، واللّه أعلم . والأول عندي أحسن وأبين ، لأن الإنسان تشيب لحيته وشعر صدره لم يشب ، وهو أقرب إلى القلب من اللحية . وفي اللحية أيضا زيادة في العبادة ، لأن الإنسان يخللها في الوضوء ، ويغسلها في الجنابة وله بكل شعرة حسنة . ويروى أن الرجل إذا اغتسل لم يمر الماء بشعرة من شعره إلا كتبت له عشر حسنات ، ومحي عنه عشر سيئات ، وتسجد معه إذا سجد ، فتكثر حسناته ، ويمشطها ويدهنها ينوي بذلك السنّة فيزيد في أجره ، ويحل بها الشيب ويلزمه الوقار . كما قال إبراهيم عليه السلام إذ رآه ؛ وهو أول من رأى الشيب ؛ فقال : ما هذا يا رب ؟ . قال له : وقار يا إبراهيم . قال : يا رب زدني وقارا . ومع هذا فهو مشنوء عند الناس بغيض لهم ، لا سيما عند النساء ذوات الحجال اللائي لا يحببن من الرجال إلا الشاب الفتي الجلد القوي ، وما سوى ذلك فهو الهلاك ، لقبه عندهنّ معمعان ، لا طعام ولا طعان ، وقد يستغني بعض النساء عن الطعم بالطعن ، فإذا عدمنه فليس غير الطرد واللعن ، ولا ودّ ولا وصل إلى يوم الفصل . أما سمعت قول الشاعر :